أبو أنور مسبع الكارات Reviewed by ربيع دمج on . برجا أون لاين  إذا أردت أن ترى روح الشباب متجسدة في رجل تخطى الثمانين من عمره ما عليك إلا زيارة العم أبي أنور (أحمد خليل شبو من مواليد عام 1929) ، ولزيارته توجه برجا أون لاين  إذا أردت أن ترى روح الشباب متجسدة في رجل تخطى الثمانين من عمره ما عليك إلا زيارة العم أبي أنور (أحمد خليل شبو من مواليد عام 1929) ، ولزيارته توجه Rating:
انت هنا : الرئيسية » برجا والجوار » أبو أنور مسبع الكارات

أبو أنور مسبع الكارات

برجا أون لاين

 إذا أردت أن ترى روح الشباب متجسدة في رجل تخطى الثمانين من عمره ما عليك إلا زيارة العم أبي أنور (أحمد خليل شبو من مواليد عام 1929) ، ولزيارته توجهنا إلى جناته التي يعتني بها بنفسه دون مساعدة أحد في محلة الصوانة خلف عيادة إبنه الدكتور منير شبو. لقد قمنا بهذه الزيارة دون سابق إنذار فوجدنا شيخاً يمثل أمامنا ومزارع سخّر عمره للإعتناء بأرضه وشاب يضرب الأرض بمعوله لتنتج له من خيراتها، هذه الشخصيات الثلاثه وجدناها متجسدة بشخص العم أبي أنور الذي استقبلنا بإبتسامة عريضة وترحاب يدل على مدى أصالة هذا الجيل.

والحديث مع أبي أنورغاية في المتعة فحياته مليئة بالصعوبات والإصرار والعزيمة والنجاحات التي يعزيها أبو أنور لوجود النية، ولكي نعطيكم نبذة عن حياته سوف نتكلم عن كل مرحلة من عمره على حدا.

الطفل الفَطِن الذي فقد والده

 عايش أبو أنور طفولته في ظل الإحتلال الفرنسي والحرب العالمية الثانية، التي قص علينا بعضاً من الأحداث التي حصلت معه إبّانها، حيث كان المفوض السامي الفرنسي في لبنان تابع لحكومة فيشي حليفة الألمان آنذاك،  وفي يوم من الأيام ذهب مع والده إلى منطقة جب الغبره التي كانت مليئة بحقول القمح والشعير ولم يكن فيها أي أثر للعمران، وخلال تواجدهم مرت دورية للجيش الإنكليزي، فانتابه الخوف لكن والده طمأنه بأن هؤلاء مجرد دول يتنازعون فيما بينهم  ولا يريدون بنا شراً، ومن ثم اقتربت منهم الدورية بعدما أنهكها التعب والعطش، فقدموا لهم الماء، ومن ثم ذهبوا إلى حال سبيلهم .

وبعد ذلك قص علينا قصة الشاب المغربي عبدالله الذي كان في الجيش الفرنسي، لكنه لجأ إلى برجا بعدما مُنِيَ جيشه بالخسارة، فوجد الحضن الدافئ فيها وإختبأ في إحدى مغاور القاطع (قرب منزل أبو جهاد السيد حالياً)، ولإبعاد الشبهات عنهم،  كان الأهل يعتمدون على أطفالهم لإيصال الأكل والشراب لعبدلله، وكان أبو أنور من بين هؤلاء الأطفال، وإستمر على هذه الحال لعدة أسابيع حتى رحل الإنكليز من برجا بعدها انتقل عبدالله إلى المسجد وعمل كخادم فيه.

 أما في الشق الدراسي فأبو أنور كان أحد تلاميذ كُتْاب السيد محمد عبد الغني سعد، والذين كان عديدهم يقارب الأربعين طفلاً يذكر منهم : أ. جودت القعقور، محمد حوحو، وفوزي غزيل (البدوي) رحمهم الله، وكان أبو أنور الأميز بين رفاقه وهو الذي استطاع أن يحفظ القرآن عن ظهر قلب ولم يكن قد أتم العاشرة بعد. هذا التميز دفع أستاذه السيد محمد عبد الغني سعد إلى القول له : “هلق يا شبو لبعرفن أنا صرت تعرفن إنتْ تعا ساعدني عرفقاتك وبقويك بالحساب” وهكذا أصبح التلميذ أستاذاً، إضافة إلى ذلك كان أبو أنور صاحب صوت شجي وكان يقوم بدور المؤذن عندما يصطحبهم أستاذهم إلى الجامع لتأدية الصلاة. وعندما فتحت مدرسة برجا الرسمية (السراي حالياً) كانت المنية قد وافت والد أبي أنور، مما جعله يترك المدرسة لأنه لا يستطيع تحمل الأعباء المادية فانتقل إلى رعي الأبقار.

الشاب الذي أسس نفسه بنفسه

 بعد عدة سنوات من العمل في  رعي الأبقار إنتقل أبو أنور إلى العمل في الزراعة في الجية لعدة سنوات إستطاع خلالها أن يحيط بأسرار الزراعة ومواسمها. وعندما بلغ الخامسة والعشرين من عمره كانت هناك نقطة تحول كبيرة في مسيرة أبي أنور، حيث إنتقل في هذا العمر للعمل في البناء (العمار) مع معلمه أحمد سعيد دمج (أبو علي الطحش) الذي يَكُن له الكثير من المودة والإحترام، وبدأ العمل معه كعامل نشيط يحمل الأحجار (خمس حجار سوا) لكن عينه ما كانت تفارق معلمه أبي علي طمعاً في تعلم أسرار المهنة منه، وبعد مضي ثلاثة أشهر إزدادت وتيرة العمل لدى أبي علي، وبدأ يفكر بأن يستعين ب  “معلم عمار” لكي يساعده في إنجاز مهامه، فما كان من أبي أنور إلا أن قال له أنا هو ذاك المعلم، وكان لا بُد لأبي علي أن يجري إمتحان لعامله فطلب منه أن يبني حائطاً، فبناه أبو أنور بخفة ودقة متناهية ومن يومها أصبح العامل “معلم عمار”.

وكانت حالة أبي أنور المادية صعبة جداً وكان يسعى جاهداً إلى تحسين مستوى معيشته، ولهذا الغرض جمع 70 ليرة إشترى فيهم نصف متر من الأخشاب ووضعه في المنزل، حتى حصل أبو علي على ورشة كبيرة مما جعله يطلب الإستعانة بأخشاب أبي أنور ويعطيه أجرتهم، وكان أبو أنور ينتظر هذه اللحظة بفارغ الصبر، وكانت أجرة نصف متر من الأخشاب تساوي 20 ليرة للورشة الواحدة، وبما أن أبو أنور كان مسؤولاً عن أمه وأختين له، كان يصرف أجرته على المنزل، ويحتفظ بأجرة الأخشاب ليشتري بها أخرى. هكذا حتى أصبح لديه مترين من الأخشاب حينها طلب الإنفصال عن أبي علي، لكن هذا الأخير تقدم بعرض شراكة لأبي أنور الذي يقدر ويحترم معلمه فلم يرفض له هذا الطلب وبدأ بأخذ ورش مشتركة بينه وبين معلمه أبي علي. وإستمرت هذه الشراكة لحين من الزمن، إلى أن طلب أبو أنور فصل الشراكة نهائياً عن معلمه الذي يعترف بفضله عليه حتى يومنا هذا.

 ومن بعدها أصبح إسم أبي أنور يكبر في مجال العمار، وصار يمتلك 20 متراً من الأخشاب، وحسن سمعته في مجال البناء جعل الناس يقبلون عليه بكثرة، فكان يضع الرخص فوق بعضها البعض ينهيها وفقاً لجدول زمني يضعه، هكذا إستمر أبو أنور لعقود كثيرة في مهنة البناء حتى أواخر التسعينات من القرن الماضي حيث كانت بناية إبنه الدكتور منير شبو أخر ورشة له.

الشيخ الذي لا يغادر أرضه

 لأبي أنور مع الأرض قصة لم يستطع أن يعبر عنها إلا شعراً فقال :

 

أرضـي مـعـتـنـي فـيـهـا ولأخـرتـي مـخـلـيـها

نحـنـا ويـاهـا متـفـقين عم تعطيـني وبعطـيها

أرضـي مـا فـيـهـش مـتـلا كـل العالم شهدتلا

فيــها بـزرع الـشـتـلـة ومـتـل الطفل بـربـيـها

عيـنك تشوف الليمون تفاح وأحسن ما يكون

وعيـنك تـشوف الزيـتـون حبـة وحبة بنـقـيـها

 

فأبو أنور يعتني بأرضه طوال العام وهي دائمة الخضرة، ففي الربيع تجد عند أبو أنور : بندورة كوسى خيار لوبيا مقتى ملوخية فول بازيلا. وفي تشرين تجد عند الخيار والكوسى فقط. بالإضافة إلى الأشجار المثمرة كالتين واللوز والتوت والمشمش، والزيتون.

 

وتعلق أبي أنور بأرضه جعله يبني غرفة فيها، تحتوي على كل متطلبات الحياة ويقضي فيها معظم لياليه.

 

وإضافة إلى ذلك فإن أبا أنور هاوٍ لصيد العصافير عن طريق “الصلية” بالدبق تارة أو بشباك الصيد تارة أخرى.

لكن أبا أنور لم يخفِ تخوفه من أن أرضه هذه وغيرها لن تجد من يعتني بها من بعده، لأنه أصبح للناس إهتمامات أخرى، والإعتناء بالأرض ليس ضمن أولوياتها.

 برجا بين الأمس واليوم بعين أبي أنور

 برجا كانت تسودها المحبة والنخوة، وكانت منتجة لعدة محاصيل طوال السنة، وكان الناس فيها متكاتفين يعاونون بعضهم البعض، فعلى سبيل المثال إذا تأخر أحدهم في زراعة أرضه يجتمع الجميع وبدون طلب من أحد ويتفقون أن يتوجهوا يوم غد إلى الأرض التي تأخر صاحبها في زراعتها وينهون العمل بيوم واحد، وكذلك أيام الحصائد. واليوم نجد أن المحبة لا تزال موجودة داخل أبناء البلدة لكن بصورة أقل عما ألفناه سابقاً. وتوجه إلى الشباب ودعاهم إلى المثابرة في التحصيل العلمي، وإفشاء المحبة فيما بينهم، وانتقد بشدة الإنقسامات الحزبية التي لا تجلب سوى الفرقة لأبناء البلدة الواحدة.

 عائلة أبي أنور

 تزوج أبو أنور من السيدة رينيه حاتم من بلدة الجية، ولديه من الأولاد ثلاثة ذكور وخمسة إناث، كرّس أبو أنور حياته للعمل وإستطاع أن يربي أولاده وعلمهم من عرق جبينه. فإبنه الكبير أنور عميد متقاعد في الجيش، خليل إستاذ ثانوي، ومنير دكتور جراح، وبناته منهم : قاضية، رئيسة دائرة، إستاذة ثانوي، دكتورة مساج وربة منزل.

 

وأخيراً لابد لنا من إبداء إعجابنا بأبي أنور التي تحوي سيرته الكثير من العبر ونحن بحاجة للإقتداء بها، وكذلك بشخصه ورحابة صدره وروح الشباب التي ما زال يتمتع بها.

أجرى المقابلة الزميلة جميلة الجنون والزميل ربيع دمج.

اترك تعليقاً :

عن الكاتب

عدد المقالات : 285
الصعود لأعلى