برجا، لمحة عامة

Export to PDF | Export to DOC

بقلم الأستاذ في التاريخ شفيق أحمد دمج*
تموز 2002

 

برجا هي إحدى قرى إقليم الخروب، تقع غربي قضاء الشوف، في محافظة جبل لبنان، تبعد 2 عن بيروت، جنوباً 32كلم وعن صيدا شمالا 13 كلم وعن ساحل البحر 3100 متراً، وترتفع عن سطحه بين 173 و405 أمتار.

 كلمة برجا مشتقة 1 إما من اليونانية Taparchia، وتعني العاصمة والقصبة ومركز المقاطعة، أو من السريانية Burgas أي البرج لكثرة الروابي المطلة على البحر.

مناخها متوسطي معتدل صيفاً وشتاءً، ومعدل الحرارة بين 13 و27 درجة مئوية. مساحتها3  950 هكتارا، منها 23.7 مشاعية للدولة و104 هكتارا للأوقاف الإسلامية. تعلو سطحها الروابي المنبسطة لتنتهي بأودية ضيقة، هي حدودها الطبيعية مع القرى المجاورة، تتفجر في جنباتها ينابيع ماء دافق، وتربتها حصوية غير خصيبة، غنية بالطبقات الصخرية الكلسية.

بنيت بيوتها العتيقة المتلاصقة قرب نبع ماء غزير، على عتبات ثلاثة تلال، بحجارة منحوتة وجدران سميكة وسقوف خشبية مغطاة بالتراب المرصوص، أو محمولة على عقود وأقواس وقناطر نصف دائرية وركائز صخرية صلبة ، وانتشرت على تلك الروابي لتشكل أحياء برجا الثلاثة، تفصل بينها أزقة ودروب على الطراز الإسلامي القديم، ويتخللها عدد من الأشجار المعمرة، وقد كانت تلك الدروب ومنعطفاتها تُـضاءُ بقناديل الكاز المستورد من رومانيا والقوقاز كما يقول شكري البستاني في كتابه ” دير القمر”.

ولقد شـُـيِّـدت في أواسط هذا القرن، فوق تلك البيوت، مساكن حديثة تلبية للتزايد السكاني والتطور الحضاري، كما رُمّـمت بيوت ُ عديدة إثر زلزال أصاب البلدة سنة 1956، فنـُـزعت أسطح القرميد الأحمر الجميل وأبدلت بالباطون المسلح الباهت.

تاريخ نشأة البلدة مجهول، لكن الكهوف4 والمغاور المحفورة في الشواهق الصخرية والتلال والأودية المحيطة، وما ترك الأقدمون من أدوات ظرانية وأوان خزفية وزجاجية وأسلحة ومقتنيات أو أبنية تاريخية، ما هي سوى بصمات تلك الأقوام التي مرت أو استقرت في هذه الربوع، بدءاً بعصر الظران والعصور الحجرية والبرونزية، مرورا بالعهد الأنيوليتي والفينيقي وصولا إلى العربي والإسلامي فالتاريخ الحديث…
إستوطن هذه البلدة خليط من شعوب مختلفة، قاعدتها الأساسية بقايا 5 كنعانيين(فينيقيين) وآراميين(سريان) وعناصر رومانية حاكمة ومحاربة وفارسية وافدة. لذا تعددت اللغات بتعدد الأقوام.
أما العربية فكانت لغة القبائل اليمانية المهاجرة من الجزيرة العربية قبل الفتوحات الاسلامية، إلى جانب السريانية التي عاشت قرونا عديدة .
وما إن قامت الدولة العباسية، وتولى أبو جعفر المنصور الخلافة سنة 136-15 هـ /753-774م، حتى اتبع بالنسبة للثغور الساحلية، ما قام به الخليفة معاوية 14-60هـ/661-680م، فمر بحصون الساحل6 ومدنها وعمَرها، وبنى ما احتاج من البناء فيها، وأنزلها المقاتلة ” وهم محاربون من بني بحتر التنوخيين والمعنيين، نقلهم الخلفاء من بلاد الشام والجزيرة العربية وأسكنوهم الجبال والتلال المشرفة على بيروت وصيدا الساحليتين لحماية الثغور الإسلامية، ورد غارات الفرنجة الغزاة وكذلك فعل سلاطين الأيوبيين والمماليك والأتراك، فثبتوا الأمراء في إقطاعاتهم، مكافأة لهم لجهادهم ضد الغزاة، فازداد النشاط العمراني وأقيمت المزارع والقرى.
وقد ورد اسم برجا في مناشير وعهود7 أرسلت من القاهرة ودمشق، ألحقتها بالأمراء التنوخيين الأعوام 1160و1187و1193 و 1257 ميلادية.
ومرت عهود شهدت البلدة وجوارها ألوانا من الحكم الأقطاعي 8 منذ القرن الثالث الهجري (التاسع الميلادي)، وأمست، بعد الاحتلال التركي العثماني، سنة 1516م، مسرحا للصراعات بين الاقطاعيين المتزاحمين على النفوذ وبين الولاة في دمشق وصيدا، الطامعين، تتقاذهم أهواؤهم وأ؛قادهم فيما بينهم، أيام إمارتي المعنيين والشهابيين، في القرون الثلاثة الأخيرة، وتدخل الأوروبيين الاستعماريين في شؤون البلاد في عهدي القائمقاميتين والمتصرفية في جبل لبنان، كما ألحقت البلدة بإقطاعات آل جنبلاط وحمادة ونكد.
أما بني نكد فهم من قبيلة بني تغلب، من مُـتنصرة العرب، في الحجاز، ارتضوا بالاسلام دينا، وجاؤوا مع القائد عمرو بن العاص الى فتح مصر ثم ساروا مع شبيب التغلبي الى فتح شمال أفريقيا.. ثم قجدموا مع الفاطميين بعد قيام دولتهم في مصر الى بلاد الشام عام 359هـ واعتنقوا المذهب الدرزي. وفي القرن الحادي عشر الميلادي نزحوا الى البقاع الى أن نقلهم الفاطميون الى الثغور الساحلية لحمايتها من غارات الافرنج… ثم انتقلوا الى صيدا ومنها الى القرى المجاورة لها وجعلوا من برجا قاعدة لتوسعهم حتى شمل نفوذهم القسم الشمالي الغربي من اقليم الخروب.
وفي العام 1120م قدم المعنيون الى جبل الشوف واستوطنوا بعقلين فانتقل بنو نكد اليها وآزروا المعنيين. وفي القرن السابع عشر غادروا بعقلين الى دير القمر.
وفي مطلع القرن التاسع عشر شمل نفوذ النكديين منطقة الشحار وصولا الى الناعمة، وشملت سيطرتهم قرى برجا، البرجين، بعاصير، الدبية، الدلهمية، الجية، دلهوم، الرميلة، عين الحور، كترمايا والوردانية، الى جانب عدد كبير من قرى المناصف والشحار واقليم التفاح والشوف البياضي ..9
وباحتلال الفرنسيين لبنان وسوريا، عقب انهزام الأتراك العثمانيين سنة 1918، تبدلت أشكال الحكم الإقطاعي السابق ودوافعه وأساليبه ومراميه.

على مقربة من مدخل برجا الشمالي، والشمال الشرقي في خاصرتي الوادي وسفوحه تشاهد بضعة عشر كهفا، ومغاور مدفنية محفورة في الشواهق الصخرية فيها نواويس متباينة المقاييس، تشكل مع ما حولها من المغاور المحطمة او المطمورة بالتراب، مدافن قرية عتيقة تعبق برائحة الزمن، تعود الى العصر الحجري الحديث.
فالرسوم والنقوش الباقية على مدخل بعض المغاور، والأواني التي عثر عليها، حين حفرت ركائز بيوت حديثة، هي بقايا أقوام تعاقبت على هذه المنطقة، كشعوب بلاد الرافدين والفرس واليونان والرومان والبيزنطيين. لذا فإن ترابنا غني برموز الاقدمين تنتظر الكشف والتنقيب.
ولدى زيارة “بعثة رينان” الفرنسية الى فينقيا سنة 1863 10 قدمت الى البلدة وأطلقت على ما شاهدته ” المدينة المفنية” Necropole ، واصطحبت الى القنصلية الفرنسية في بيروت، آنذاك، نصبا عليه كتابة يونانية ” خورستوس الشريف سلام، رحل قبل أوانه، عاش 27 سنة، مات سنة 228 في العشرين من شهر ذايسويس “وهي تسمى خطأ، قصر بو حنين”.
أما “قلعة النواويس”، بجوار مبنى الثانوية، المطلة على وادي المعنية – سبلين والتي تسمى خطأ أجران الدبس، فهي نواويس، أي قبور كهنة فينيقيين او غيرهم من الشعوب الوثنية، محفورة في كتل صخرية، بعمق لا يزيد على 40 سم، في تلك الهضبة العالية، تقربا من الآلهة.
وكانت تلك النواويس تحفر بعيدا عن المساكن ومقابر افراد الرعية الذين كانوا يدفنون في مغاور هي مدافن، بالقرب من السواقي والوديان في البلدة العتيقة، بعمق بضعة امتار بحيث سطح الأرض، تتسع كل منها لبضعة نواويس محفورة طولية في جوران المغارة – المدفن من ثلاث جهات، كالتي اكتشفت مؤخرا، غربي طريق الديماس – السمقى.
وقد عثر فيها على جرار فخارية وبقايا عظام بشرية ومنحوتة صغيرة تمثل نحلة وعنقود عنب دلالة على الخصب والنماء. كما عثر من قبل في إحدى المقابر القريبة على فخاريات وكؤوس زجاجية.
ومن الآثار الحديثة مسجد قديم 11 بني، على الأرجح، في عهد الأمير فخر الدين المعني الثاني (1572- 1635) وابنية ذات اقواس وقناطر ونصف دائرية واعمدة رخامية ونوافذ زجاجية مستديرة ملونة من العهد التركي العثماني، وضريح مجهول التاريخ لأحد الأولياء الصالحين، وكان مزارا، ومغاور عديدة في جنات الوديان وسفوح الروابي، هي مساكن كان يأوي اليها الاقدمون في فصل الشتاء، في العهود الغابرة. اما في الصيف فكانوا يبتون في اكواخ يبنونها من جذوع الأشجار وأغصانها.
ولعله من غير المصادفة ان تطل تلك الشواهق الصخرية وكهوفها ومغاورها، من فوق ذلك الوادي الحصين، على مدينة “بورفيريون ” البيزنطية المكتشفة حديثا، على ساحل البحر، في قرية الجية القريبة.

في البدء كانت البلدة دسكرة او مزرعة يربى اهلها الماشية والدواجن ودود الحرير، ويعملون في الارض، اما الزراعات فبعلية، ابرزها الزيتون والتوت والخروب القليل من اشجار الفاكهة والخضار.

نشطت هذه الزراعات في القرن التاسع عشر، فكانت “حاصلات البلدة 12 من الشرانق 1600 اوقية ومن الزيت 150 قنطارا ومن الحيوانات الداجنة 960 وزيتها معروف بجودته ونقاوته، وفيها مجلس بلدي (كوميسيون) من ثمانية اعضاء، وسوق يوم الاربعاء الاسبوعي، ولم تكن زراعة الخضار رائجة، لفقر التربة وقلة المياه…

نمت الزراعات الصناعية واشجار اللوز والكرمة والتين في النصف الاول من القرن الماضي،  ثم تراجع الانتاج تدريجيا، نتيجة حاجات النمو السكاني ومتطلبات العصر، فهجر المزارع والحرفي عمله لمواجهة ازمات ارتفاع مستوى المعيشة بعد الحرب العالمية الثانية، فاندفع الاباء بالابناء الى معاهد العلم وميادين العمل، في الوظائف والخدمات والحرف المختلفة، واجتاحت العمارات السكنية الاراضي الزراعية، وباتت البلدة اليوم تلبس مما لا تنسج وتأكل مما لا تزرع، عدا انتاج عدة اطنان من زيت الزيتون الفاخر.

ونشطت في البلدة حرفة تربية النحل في النصف الثاني من القرن العشرين، لكنها بلغت ذروة نشاطها في الربع الاخير منه. ففي البلدة اليوم سبعة وخمسون نحالا يملكون حوالي 600 خلية، عشرة منهم تقريبا يملكون 250 خلية والباقون يملكون الخلايا الباقيات.

 ولا يقل انتاج العسل السنوي عن 2000 كلغ يتم تصريفها في البلدة وخارجها، ولكن كمية العسل تظل رهينة الظروف المناخية والطبيعية والصحية العائدة لخلايا النحل نفسها. اما مصادر خلايا النحل وتجهيزاتها فعديدة، نذكر منها بيروت وصيدا وصور وتعاونية الغازية في الجنوب، وفي الاقليم اليوم تعاونية ترعى شؤون هذه الحرفة الناهضة 13.

راجت حياكة المنسوجات الحريرية في منطقة الشوف 14 القريبة من بيروت وصيدا ايام الامير فخر الدين المعني الثاني في القرن السابع عشر، واشتهرت بإنتاج الشرانق والحرير الأصفر. وبعد مقتل الامير المذكور ارهق الاتراك العثمانيون الاهالي بالضرائب، فتراجع انتاج الشرانق والحرير.
ثم نمت زراعة التوت ونشط الانتاج في القرن التاسع عشر الى ان قضي عليه نهائيا في الحرب العالمية الاولى.
لكن عمال النسيج في البلدة، استمروا بشراء الخيوط الحريرية والقطنية الاوروبية المستوردة، في ما بين الحربين العالمتين، ولم يقل عدد الانوال العربية عن الستين، فغزا النسيج البرجاوي الحريري والقطني المتنوع السوق اللبنانية، ومن قبل اسواق سورية وفلسطين، محمولا على البغال او بحرا بالمراكب الشراعية، من مينائي النبي يونس في قرية الجنية القريبة، والسعديات قرب قرية الدامور على بعد بضعة كيلومترات.
ثم اصاب الحرفة الكساد والتقهقر، الى ان اختفت، بتوقف آخر عامل نسيج عن العمل في السبعينات من هذا القرن، فأدرك الاهالي النهاية المحزنة التي آلت اليها حرفة النسيج الفولكلورية العريقة.
ولا تزال المداخن المطفأة المنتصبة فوق الكراخين ( معامل حل الشرانق) المغلقة في بلدة الدامور، على ساحل البحر او في قرى الشوف، شهودا على صناعة الحرير، عصب الحياة الاقتصادية في لبنان والبلدة آجالا طوالا.
وغابت مع تلك الحرفة خياطة الملابس واعمال الابرة والتطريز وصناعة الصابون ومعاصر الزيت والخروب ومطاحن الحبوب واعمال الفلاحة والزراعة والحصاد والبيادر والحطابة والمشاحر واتون الكلس والناعوة والجاروشة والنورج العتيد.
ولم نعد نشاهد النسوة العائدات من البراري والحقول وعلى رؤوسهن اكداس البلان المدمجة، وبات خبز “الصاج” والتنور في عالم الاساطير… اين صناعة الحلويات والمعجنات البيتية العربية ومربيات الفاكهة الشهية؟ بل اين مواسم الكشك وتجفيف البقول وسلق القمح؟ لقد غابت اسراب الحمام والطائر الدوري ولطالما كانت تتسابق لالتقاط حبات القمح من على السطوح؟
اين المواقد الترابية المستعرة نارها على مصاطب البيوت، والسهرات الدافئة في الليالي الحالكات الباردة؟ لقد غابت حكايات الجدات للاحفاد … بل اين خوابي الزيت تتصدر زوايا “بيت المونة” وقطرميز الزيتون وبرنية قوروما – اللحم المقلي بالدهن؟ لقد غاب خم الدجاج ولم تعد نسمع “اوركسترا” الديكة وهي تطلق صياحها في الفجر ان “حي على الفلاح”. ولا نباح الكلاب الاليفة الوفية وهي ترد على عواء الثعالب وبنات آوى السارية لاقتناص افراخ الدجاج من اخمامها…
مسكينة مصابيح الكاز والقناديل وسراج الزيت ووابور “البريموس” لقد باتت من الماضي اما جرن الكبة البائس الصامت فهو لا يزال منسيا على قارعة الطريق.
الا تشتاق الى مشاهد القرميد الاحمر يعلو سقوف البيوت الآسرة! .. اما المحدلة فقد باتت في عالم الذكريات..
لن يعود العرزال، حيث كانت تنسج حوله مغامرات العشق البرئ!
ولم نعد نشاهد قطعان الماشية العائد من المراعي، وقد استراحت منجيرة الراعي مع همسات الشمس الخافتة عند المغيب! ولا عصا الناطر التي كانت فرائص الشاردة في الحقول ترتعد حين تراها فتطلق سيقانها للريح…
ولا تسل عن حرقة كوي الطرابيش وخلع الاضراس والسمكرة وتبييض الاواني النحاسية!
اين الشباب المتصابي يتسارعون الى المقاعد الامامية على ارصفة المقاهي يرمقون، بنظرات العشق الحانية، الصبايا الواردة بجرارهن على طريق العين؟
اين مئات الطرابيش الحمراء والمناديل البيضاء على هامات الرجال والنساء وهم يشيعون فقيدا عزيزا الى مئواه الاخير يرددون بخشوع مهيب ” لا اله الا الله محمد رسوله الله.. صلى الله عليه وسلم”؟
اين حلقات الدبكة في الاعياد والاعراس على السطوح وفي الساحات؟ بل أين جهاز العروس محمولا على هامات الصبايا الراقصات على ايقاع الاغنيات والزغاريد في الدروب الضيقة الى بيت العريس العتيد؟
اين صلاة الاستسقاء والابتهاء الى رب السماء كي نزل المطر؟ وبعدها يحلو السهر ويطيب في ضوء القمر؟
بل أين “ناموسية ” القطن والحرير والطفل المقمط في السرير وأمه الحانية ترضعه لبن الطهارة والبراءة والنماء !؟؟
وهل تعود الأفراح والليالي الملاح ويحتفى بالصبيان في حفل الختان؟
لقد غابت كلها وغابت معها معالم الحياة الريفية الرحبة وذكرياتها الزاخرة والمروءة والعطاء!.

إنتقلت مهنة النسيج وبيع الأقمشة من الأجداد الى الأحفاد، مذ كان البرجاوي يحيك مختلف المنسوجات القطنية والحريرية على نوله الخشبي طوال عهود عديدة مضت.

ولما ازدهرت هذه المهنة، بعد الحرب العالمية الأولى، نشط البائع البرجاوي المتجول، فجعل لبضاعته أسواقا في العديد من القرى والمدن اللبنانية والعربية المجاورة حيث كان يحمل حانوته على ظهره وكتفه، أو يسخر لذلك الدواب، بدءاً بعهد عربات الخيل وصولا ً الى عصر السيارات المستحدثة.

ولما غزت المنسوجات الأوروبية بلاد الشام، أصاب المنسوجات اللبنانية والبرجاوية الكساد، فاضطر الباعة الى استبدالها بالبضائع المستوردة الأكثر جودة وإتقانا ً، والإتجار بها، وراح يجوب الآفاق كسبا للرزق الحلال.

ولطالما جنى البرجاوي الأموال فابتنى له الدور واشترى الأراضي والأطيان، واتقى بها غائلة الزمان.

أما منذ الستينات، فقد آثر الآباء توجيه أبنائهم إلى ولوج ميادين العلم والوظيفة وسائر المهن، تمشيا مع متطلبات التطور في مختلف الميادين. لذا تراجع عدد الباعة من أبناء البلدة آخر هذا القرن قياسا على ماكان عليه في أواسطه.

ولقد اكتسب البائع البرجاوي – بفضل أسفاره – صفات حميدة، لذا تجده كريما مضيافا، ومقداما صبورا، ومحاورا بارعا ومساوما حاذقا، وحليما متواضعا، وباذخا أنيقا، ومتفائلا يحب الحياة…

فثقف الكثير من طبائع وعادات أهل البلاد التي جابها وعاش بين ظهرانيها سنوات طوالا ً، وبات له في كل قرية ومدينة أكثر من بيت وصديق.

ظلت البغال والحمير والجمال وسيلة النقل الرئيسية في بلادنا حتى أوائل هذا القرن، ففي سنة 1863، بعد احتلال 15 دام 357 سنة ، وبضغط من القنصل الانجليزي في بيروت، اضطر الأتراك العثمانيون إلى شق أول طريق معبدة بين دمشق وبيروت، ثم بين الأخيرة وطرابلس وصيدا الساحليتين، لتسير عليها عربات تجرها الخيول، كان الانجليز قد أدخلوها الى بلاد الشام سنة 1833.

ولما شقت الطريق المعبدة بين البلدة وقرية الجية الساحلية سنة 1907 في عهد المتصرف مظفر باشا، خرجت البلدة من عزلتها، وانطلق الحوذيون البرجاويون بعرباتهم الستة، ينقلون بها المسافرين والسياح والبضائع والنسيج.

وفي سنة 1908 وصلت إلى بيروت واجتازت طريق الساحل إلى صيدا أول سيارة أوروبية، وفي سنة 1926، في ظل الاحتلال الفرنسي، وقيام أول جمهورية لبنانية، اقتنى أحد أبناء البلدة أول سيارة، وباتت السيارات، التي ارتفع عددها في لبنان إلى المئة، سنة 1918، والعربات والطنابر، وسائل نقل تقرب المسافات وتخفف المشقات وتنشط الانفتاح الاقتصادي والتفاعل الاجتماعي والحضاري بين المواطنين…

انصرفت حكومة المتصرفية الأولى إلى تنفيذ مضمون البروتوكول عام 1961 القاضي بتخمين مقدار الأملاك والمغالق (المباني) وإحصاء الذكور لكي يتسنى توزيع الضرائب توزيعا عادلا ومقبولا. ونظم لذلك جدولان – أحدهما لتعداد السكان، والآخر لتعداد أسماء المكلفين منهم مستثنيا النساء والأطفال والعجزة المعدمين وأصحاب العاهات من ضريبة الأعناق – الويركو – وبات قاعدة ثابتة في جباية الضرائب طيلة العهد المتصرفي 16.

وقد انحصر الإحصاء الأول في جبل لبنان عام 1867 بإحصاء الذكور ما بين 15 و64 سنة، وأهملت الفئات الأولى من السكان والأطفال بشكل عشوائي17.

وفي سنة 1896 كان عدد سكان برجا من الذكور المكلفين 638 نسمة من المسلمين و14 من الموارنة، وفي سنة 1927 ارتفع العدد إلى 2160 نسمة،  منهم 130 مارونيا و9 كاثوليك 18 وفي عام 1932 أصبح عدد السكان 3289 ذكور و3186 إناث. أما عام 1996 فقد كان عدد سكان برجا حوالي 21000 نسمة جميعهم من المسلمين، موزعين على 84 عائلة، بعد منح عدد من الأسر المقيمة في لبنان الجنسية اللبنانية19. أما عائلات برجا، إستنادا الى لوائح الشطب20 فهي: دمج، الخطيب، سعد ، الشمعة، شبو، الغوش، الحاج، سيف الدين، رمضان، حمية، المعوش، سعيفان، البراج، الجنون، الدقدوقي، ترو، السيد، حدادة، غصن، سراج، الحلاق، بدر، عزام، بشاشة، ادريس، معاد، المتني، أبو علفا، الكجك، يس، عجينة، بكري، الألطي، ناصر، زين، كحول، لمع، النسبي، علي، الجوزو،السعيدي، معاد، أبو الريش، الجعيد، أبو مرعي، أبو مرعي دمج، رضوان، الغاوي، عمار، هاشم، البرجاوي، حويلا، الطحش، غطاس، البقيلي، جرادات، الخنساء، شاهين، أبو صالح، الأسمر، حويك، الكاتب، أبو مهاية، سكر، الحداد، المحسن، حسن، العلوش، شاكر، شيخو، فنيش، شكر والحريري.

ولقد كان لهذا النمو السكاني الملفت أثره البعيد في التحولات الاجتماعية والاقتصادية والعلمية، بحيث اتخذ مسارات ثابتة في مواكبة التطور، بعد وصول الكهرباء والهاتف والماء ومشتقات النفط وشق الطرقات، منذ أوائل الستينات من هذا القرن، فاجتاحت العمارات السكنية المساحات الزراعية حتى تخوم البلدة الجغرافية، وأقيمت المدارس والمساجد الأربعة والادارات الحكومية ومكاتب المهندسين وعيادات الأطباء ومراكز الجمعيات والأندية الثقافية والرياضية والملاعب والمستوصفات والمقاهي.

وفي إحصاء 21 ميداني في سنة 1995، تبين أن عدد المحال التجارية ومختلف مراكز الأنشطة الاقتصادية هو 657 بينها 161 مركزا شاغرا، في حين لم يتجاوز عدد المحال التجارية والمهنية، في مطلع الثلاثينات من هذا القرن 42 محلا ً.

وباتت شوارع البلدة الداخلية تتسربل ببضعة آلاف من السيارات الخاضعة، تنقل الأهالي المغادرين والعائدين يوميا ً، من ميادين العلم والعمل.

بعد الحكم العثماني والذي طال 384 سنة، افتتح الأتراك العثمانيون في البلدة سنة 1900 أول مدرسة22 ابتدائية للذكور بمدرس واحد، سميت ” مضمار الطلبة”. وارتفع عدد المدرسين فيها الى أربعة سنة 1916، ثم أقفلت سنة 1918.

 وقد ظهرت في برجا طريقتان صوفيتان هما القادرية والشاذلية. أما مؤسس الطريقة القادرية فهو الشيخ محي الدين عبد القادر الجيلاني الحسن الحسيني الشافعي الحنبلي في القرن الثاني عشر الميلادي في بغداد. وقد لبسها عن الشيخ أبن علي المخذومي البغدادي، وأما الطريقة الشاذلية فمؤسسها هو علي نور الدين اليشرطي التونسي المولد في عام 1794م والمتوفي في عكا عام 1898م23.

انتشرت  الطريقتان في مطلع القرن العشرين في مدن الساحل اللبناني وكان لهما أتباع ومريدين عديدين في برجا يحيون حلقات الذكر مرتين كل أسبوع تتخللها الأناشيد الصوفية وتلاوة القرآن الكريم، لكن النشاط الصوفي انحسر وتلاشى أمام التحولات والتيارات الفكرية والسياسية والاجتماعية في الخمسينات من القرن العشرين .

وفي العام الدراسي 1926-1927 إفتتحت وزارة التربية اللبنانية، في ظل الاحتلال الفرنسي أول مدرسة ابتدائية للصبيان بمدرسين اثنين و20 تلميذا. وفي أوائل الثلاثينات أقفلت الكتاتيب الخمسة التي كان يتعلم فيها الإناث والذكور قراءة القرآن والكتابة والحساب، وفي سنة 1935 أنشأت جمعية المواساة الخيرية البرجاوية مدرسة أهلية ابتدائية للإناث، تحولت إلى مدرسة حكومية سنة 1944. وفي سنة 1961 فتحت وزارة التربية الوطنية أول مدرسة للتعليم الثانوي24 مختلطة، فكانت خطوة جادة على طريق التحصيل العلمي المعاصر. وقد بلغ عدد الذين تخرجوا منها حتى نهاية عام 1990/ 890 طالبا من حملة البكالوريا اللبنانية بفروعها الثلاثة. حاز 235 منهم شهادات جامعية في ميادين الاختصاص النظري والتطبيقي والعسكري حتى نهاية 1983م، في حين تابع المتخرجون الباقون تعليمهم الجامعي في جامعات الشرق والغرب.

ولقد تبين ، بعد الاحصاء الميداني لعام 1996 أنعدد المهندسين بمختلف الفروع بلغ108 والأطباء الاختصاصيين 45 وأطباء الأسنان 12 والصيادلة 4 وحملة الدكتوراة التطبيقية والتعليمية 37 والقضاة 3 والمحامين5 واختصاصي مختبر3.

وفي البلدة اليوم 4 مدارس حكومية و8 مدارس أهلية خاصة يعمل فيها 419 مدرسا وموظفا يسهرون على تعليم ورعاية 3647 تلميذا وتلميذة في مراحل التعليم الابتدائي والمتوسط والثانوي والمهني، هم براعم الأجيال الصاعدة لمستقبل مشرق مضيء.

وقد تبوأ عدد من أبناء البلدة مراتب عليا في الدولة العثمانية في القرن التاسع عشر حتى مطلع القرن العشرين هم الشيخ محمد الخطيب، عضو مجلس المحاكمة الكبير25 في جبل لبنان والشوف، والشيخ أحمد البزري ثم الشيخ عمر محمد الخطيب، عضوا مجلس الادارة الكبير أي ما يشبه مجلس النواب اليوم، طوال عهدي القائمقاميتين والمتصرفية وأحمد البرجاوي، محافظ جبل لبنان ولبنان الشمالي، في ظل الاحتلال الفرنسي، ونائب عن محافظة جبل لبنان والشوف في عهد الاستقلال في دورتي 1947 و1953 ثم نجله محمد البرجاوي الذي انتـُـخب نائبا عن الشوف سنة 1964، وفي عام 1962 انتخب الشيخ الدكتور محمد علي الجوزو مفتيا لجبل لبنان من قبل الهيئات النيابية والوزارية والادارية للطائفة السنية في محافظة جبل لبنان، وفي دورات 1992و1996 و 2000 انتخب علاء الدين ترو نائبا عن الشوف.

كما أسست ، في منتصف القرن العشرين جمعيات دينية وأندية ثقافية اجتماعية ورياضية ومستوصفات صحية أسدت، ولا تزال، الى أهالي البلدة خدمات جلى في مختلف الميادين .

وعرفت برجا كذلك منذ أوائل القرن العشرين كوكبة من الشعراء، رحمهم الله تعالى، هم أحمد أفندي الخطيب ونجله الأستاذ بهيج والأديب العالم الدكتور علي سعد، وقد كتبوا القصيدة العامودية الفصحى.

وأما شعراء الزجل رحمهم الله تعالى فمنهم مصطفى محي الدين شبو، حسن الجنون ودوريش السيد، فضلا عن مجموعة من شعراء الفصحى والزجل تبشر بمستقبل واعد…

 مراجع البحث

  1.  مرهج, عفيف: سلسلة أعرف لبنان الجزء 2, تاريخ النشر 1971- 1972, ص 205.|فريحة, أنيس: معجم البلدان و القرى اللبنانية, ص 17.
  2.  الخريطة الطوبوغرافية- مركز محافظة جبل لبنان- بعبدا.
  3. قائمقامية الشوف- سجلات بلدية برجا.
  4. د. يونس, أحمد: المعالم الأثرية و التاريخية في إقليم الخروب، مؤسسة عز الدين للطباعة 1995, ص 64- 66.
  5. مكي, محمد علي: لبنان من الفتح العربي إلى الفتح الإسلامي, دار الديار, ص 12,57.
  6. حمزة, نديم: التنوخيون, دار النهار- بيروت, ص7- 30- 35- 93.| مكي، محمد علي: لبنان من الفتح العربي إلى الفتح الإسلامي, مرجع سابق الذكر, ص12- ص57.
  7. الأسود, إبراهيم: ذخائر لبنان, الجزء 2 , المطبعة العثمانية 1896, ص 151- 152.
  8. الشدياق, طنوس: أخبار الأعيان في جبل لبنان, منشورات الجامعة اللبنانية, ص 218-219.|حقي, إسماعيل: لبنان مباحث علمية و اجتماعية, منشورات الجامعة اللبنانية, ص 333.|الشهابي, حيدر: لبنان في عهد الأمراء الشهابيين منشورات الجامعة اللبنانية, 1969, ص414-415.| الأسود, إبراهيم: ذخائر لبنان, المرجع السابق, ص 266 – 302.| هشي, سليم: المراسلات الإجتماعية و الإقتصادية.
  9. بو عماد, عاطف خليل: الأسرة النكدية إبان القرن التاسع عشر و حتى نهاية عهد المتصرفية, رسالة ماجستير قدمت إلى الجامعة اللبنانية- كلية الآداب, إشراف د. مسعود ضاهر, سنة 1982، ص 7 و 13.
  10. د. يونس، أحمد: المعالم الأثرية و التاريخية في إقليم الخروب , المرجع السابق, ص66.
  11. دمج, شفيق: دراسة ميدانية، سنة 1995.
  12. الأسود, إبراهيم: دليل لبنان, المطبعة العثمانية- بعبدا، 1898, ص 525.
  13. مقابل شخصية مع الحاج يونس الدقدوقي و خالد أحمد الجنون بتاريخ 27/7/2002.
  14. شهاب, موريس: دور لبنان في تاريخ الحرير, بيروت لبنان 1967, ص 33- 34.
  15. دمج, شفيق: هتاف الشوق- نشرة دورية, عدد 13و14, برجا سنة 1990، ص 10- 11.
  16. الملاح, عبد الله: الإحصاء الديموغرافي الرسمي الأول في قضاء كسروان 1867 |إشراف د. جان شرف، مؤتمر تاريخ لبنان الريفي، منشورات فيلون لبنان 1979, ص 191- 198|رستم، أسد: لبنان في عهد المتصرفية، دار النهار- بيروت، ص44.
  17. الملاح، عبد الله: الإحصاء الديموغرافي الرسمي الأول في قضاء كسروان 1867،المرجع السابق, ص 205 حاشية 34.
  18. الأشقر، سليمان: تطور التعليم الرسمي في لبنان- الشوف، رسالة ماجستر إشراف د. مسعود ضاهر.
  19. الأسود, إبراهيم: دليل لبنان. المرجع السابق, ص 525.|حداد, وديع: قاموس لبنان, بيروت 1927, ص17.
  20. مقابلة شخصية مع مختار برجا حسان برهان الخطيب بتاريخ 20/7/2002, علماً أن ترتيب أسماء العائلات لا يعكس بالضرورة عددها بشكل دقيق، و هي مأخوذة من لوائح الشطب لعام 2002.
  21. قائمقامية الشوف- سجلات بلدية برجا.
  22. الحجار, محمد الميسو: تاريخ إقليم الخروب، دار النهار- بيروت، 1978,ص 123- 128.
  23. المصري، الشيخ فؤاد سعد: الطرق الصوفية و حالة فعاليتها في لبنان، أطروحة دكتوراه- حلقة ثالثة، جامعة القديس يوسف، 1982, ص119- ص 220.|المصري، الشيخ فؤاد سعد: تاريخ دخول الصوفية إلى لبنان, ص 67.
  24. سجلات ثانوية برجا الرسمية عام 1983, و أيضاً دمج, شفيق: دراسة ميدانية، سنة 1995.
  25. الأسود، إبراهيم: دليل لبنان، و رستم, أسد: لبنان في عهد المتصرفية، مرجعان سابقان.

اترك تعليقاً :